ابن هشام الأنصاري
326
شرح قطر الندى وبل الصدى
مجيء ذاته ، ويحتمل مجيء خبره أو كتابه ، فإذا قلت : « نفسه » ارتفع الاحتمال الثاني « 1 » ، ولا بدّ من اتصالهما بضمير عائد على المؤكّد ، ولك أن توكّد بكل منهما وحده ، وأن تجمع بينهما بشرط أن تبدأ بالنفس ، تقول : « جاء زيد نفسه عينه » ويمتنع « جاء زيد عينه نفسه » . ويجب إفراد النفس والعين مع الفرد ، وجمعهما على وزن أفعل مع التثنية والجمع ، تقول : « جاء الزّيدان أنفسهما أعينهما » ، و « الزّيدون أنفسهم أعينهم » ، و « الهندات أنفسهنّ أعينهنّ » . * * * ومنها : « كلّ » لرفع احتمال إرادة الخصوص بلفظ العموم ، تقول : « جاء القوم » فيحتمل مجيء جميعهم ، ويحتمل مجيء بعضهم ، وأنّك عبّرت بالكل « 2 » عن البعض ؛ فإذا قلت : « كلهم » رفعت هذا الاحتمال « 3 » . وإنما يؤكد بها بشروط :
--> ( 1 ) الحق أنك إذا قلت : « جاء الأمير » احتمل أن يكون الجائي هو الأمير وأن يكون الجائي تابعا للأمير أو خبرا منه أو نحو ذلك ، وأنك إذا قلت « جاء الأمير نفسه » بقي الاحتمالان ، لكن الاحتمال الثاني - وهو كون الجائي تابعه أو خبره - قد ضعف ، والدليل على أن الاحتمال الثاني لم يزل أنه لك أن تأتي بتوكيد آخر فتقول « جاء الأمير نفسه عينه » ولو كان الاحتمال الثاني قد زال بلفظ التوكيد الأول لما كنت في حاجة إلى لفظ التأكيد الثاني . فإن قلت : فإذا كان الاحتمال لم يزل بلفظ التوكيد الأول فما الذي أفاده إذن زيادة على ما أفاده قولك « جاء الأمير » بدون توكيد ؟ فالجواب عن هذا أن نقول لك : إن قولك « جاء الأمير » بغير توكيد يحتمل عدة وجوه ، منها ، أن تكون قد سهوت فأسندت الفعل إلى الأمير ، ومنها : أن يكون الجائي هو تابع الأمير أو خبره ، ومنها : أن يكون الجائي هو الأمير ، فإذا قلت « جاء الأمير نفسه » جاز أن يكون الذي زال هو احتمال السهو ، وبقي احتمالان أنت في حاجة إلى نفي أحدهما بتأكيد آخر . وتختص النفس والعين بجواز جرهما بباء زائدة كقول الشاعر : هذا لعمركم الصّغار بعينه * لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب ( 2 ) سيأتي للمصنف عند الكلام على أقسام البدل أن يذكر أن لفظ « كل » ولفظ « بعض » لا تدخل عليهما أل . ( 3 ) يقال هنا مثل الكلام الذي قلناه في التوكيد بالنفس ، والدليل على أن الاحتمال الثاني لم يزل بتة وإنما ضعف أنه قد ورد في أفصح الكلام التوكيد بعد كل بلفظ آخر نحو قوله تعالى : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ .